• العنوان:
    الجبهة الداخلية: تماسك الوعي الشعبي في مواجهة حروب الجيل الخامس
  • المدة:
    00:00:00
  • الوصف:
    في القاموس السياسي المعاصر، لم يعد مفهوم "الحرب" مقتصرًا على دوي المدافع وأزيز الرصاص، بل انتقل إلى ميدان "العقول والقلوب" فيما يسمى بحروب الجيل الخامس.
  • التصنيفات:
    مقالات
  • كلمات مفتاحية:

واليوم، واليمن يخوض معركة "الفتح الموعود والجهاد المقدس" إسنادًا لغزة ومواجهةً للاستكبار العالمي، يدرك العدوّ الأمريكي والصهيوني أن كسر الإرادَة العسكرية لليمنيين بات مستحيلًا أمام ضربات التنكيل الباليستية؛ لذا يهرع إلى استهداف الجبهة الداخلية، محاولًا تقويضَ بنيانها المتراص عبر التضليل النفسي والضغط الاقتصادي وتزييف الوعي.

إن المعركةَ في جوهرها هي معركة بين "البصيرة" و"العمى"، فالحق سبحانه يقول: ﴿أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُم﴾.

ومن هنا، نجد أن الوعيَ الشعبي ليس مُجَـرّد ترفٍ فكري، بل هو السد المنيع الذي تتحطم عليه موجات الإرجاف.

فالعدوّ يسعى اليوم لخلق فجوة بين القيادة والقاعدة، وبين المبدأ والتطبيق، مستخدمًا أدواته الناعمة لتصوير الثبات اليمني وكأنه مغامرة، وتصوير الحصار الأمريكي وكأنه نتيجة لمواقف السيادة وليس عدوانًا ظالمًا.

وهنا تتجلى حكمة الإمام علي (عليه السلام) حين قال: "لا يستقيم قضاء الحاجة إلا بثلاث: باستصغارها لتعظم، وباستكتامها لتظهر، وبتحقيرها لتكبر"، والوعي الشعبي هو الذي يجعلنا نستصغر تهديدات الأعداء لتصغر في واقعنا، ونعظم مبادئنا لتكبر في نفوسنا.

الهُوية الإيمانية وسد الفجوات

تحليليًّا، نجد أن "التماسك" الراهن ليس وليد الصدفة، بل هو ثمرة "الهُوية الإيمانية" التي حصنت المجتمع من الاختراق.

إن حروب الجيل الخامس تعتمد على إثارة النزعات المناطقية والطائفية، وتضخيم الأزمات المعيشية لضرب السكينة العامة، متناسين أن هذا الشعب ينهل من معين قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جميعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾.

إن الوعي اليماني اليوم قد نضج إلى حَــدّ الإدراك بأن المعاناة هي ثمن الكرامة، وأن الحرية لا تُوهب بل تُنتزع بصبر المتقين وعزيمة الصادقين.

إن هذا التلاحم يمثل الصخرة التي تتكسر عليها قرون الشياطين، وهو الضمانة الوحيدة لإفشال مخطّطات التفكيك التي تُدار من غرف الاستخبارات المظلمة.

إن ما نعيشه اليوم هو تجسيد لقول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب: "الناسُ ثلاثة: فعالمٌ ربانيّ، ومتعلِّمٌ على سبيل نجاة، وهمجٌ رَعاع أتباع كُـلّ ناعق، يميلون مع كُـلّ ريح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجؤوا إلى ركنٍ وثيق".

والوعي الشعبي في اليمن قد اختار أن يكون "المتعلم على سبيل نجاة"، لا يميل مع رياح الشائعات ولا ينخدع بأبواق المرجفين، بل يلجأ إلى الركن الوثيق المتمثل في القيادة الحكيمة والمنهج القرآني، مدركًا أن قوة الموقف العسكري من قوة المتكأ الشعبي.

البصيرة حارس الشهادة

ختامًا، إن تماسك الجبهة الداخلية هو الركيزة التي يستند إليها المقاتل في البحار والصحاري، وهو الوقود الذي يغذي الصمود الأُسطوري.

إن استمرار هذا التماسك يتطلب يقظة دائمة، فالعدوّ الذي هُزم في ميدان المواجهة المباشرة لن يكف عن محاولات الطعن من الخلف عبر طابوره الخامس.

لكنه يصطدم بشعبٍ وعيه قرآن، وصموده إيمان، وإرادته لا تلين، مؤمنين بأن مآل المرجفين هو الخيبة والذلة، وأن النصر حليف من استمسك بالعروة الوثقى ولم تأخذه في الله لومة لائم، فبالوعي ننتصر، وبالبصيرة نحمي منجزات الدم والشهادة.