• العنوان:
    حين يشكرُ الضحيةُ الجزار!
  • المدة:
    00:00:00
  • الوصف:
    ​يُحكى في الموروث الشعبي وفي أدبيات السذاجة عن رجلٍ سُرِق منه "كبشه"، فقام اللص بذبحه وطبخه، ثم تظاهر بالكرم وأرسل لصاحب الكبش المنهوب قدحًا من "المرق".
  • التصنيفات:
    مقالات
  • كلمات مفتاحية:

تذوق الرجل المرق واستلذّ طعمه، وبدلًا من أن يبحث عن كبشه المفقود، استطاب الطعم وصاح بملء فيه: "شكرًا يا صاحب مرق الخير!"، وهو لا يعلم أن هذا المرق ليس إلا قطرة من دماء كبشه المسلوب.

لقد مجّد الجزار على فتاتٍ من ماله، لأنه غرق في "لذة اللحظة" وعمي عن "أصل الفاجعة".

لكن المأساة في اليمن اليوم تتجاوز هذه القصة بمراحل، وشبّه ما بين "غافل" القصة و"مرتزِق" الواقع؛ فإذا كان صاحب الكبش قد شكر اللص لجهله بالحقيقة، فإن "أقزام الارتزاق" الذين يتصدرون مشهد الخيانة اليوم يشكرون اللص وهم يعلمون تمامًا أنه ينهب "قطيعهم" وثرواتهم، ويشاهدون شاحنات النفط وخزانات الغاز وهي تُفرغ في جيوب المعتدي، ثم يخرّون سُجدًا تحت أقدام الصرافين بانتظار "مرق الملك"!

انحدارُ القِيَم وسقوط الإرث الحضاري

لقد بلغ الانحطاط ذروته، ودنت السفاهة إلى أحطّ مواضعها لدى تلك القطعان التي تنازلت عن الإباء والشموخ والإرث الحضاري والحكمة اليمانية، مقابل ثمنٍ بخس.

هؤلاء الذين ارتضوا لأنفسهم دور "الإجراء" و"الأدوات"، يقفون اليوم طيلة ما يزيد عن إحدى عشرة سنة من العدوان، ينتظرون لقمة عيش مغموسة بالذل من فضلات من يمتهن كرامتهم ويستعبدهم.

لقد استبدلوا بـ"عنفوان" الجبال "انبطاح" الملاجئ، وارتضوا أن يكونوا "قطعانًا" تُساق بالعصا السعوديّة والإماراتية، ونفضوا أيديهم من إرث الأجداد الذين لم تنحنِ رقابهم إلا لله.

إنه لمشهدٌ يبعث على الخزي والتقيؤ الأخلاقي؛ نراهم بكل خسة ينظرون إلى ما في يد السعوديّ، يراقبون ثروات شعبهم في مأرب وحضرموت وشبوة وهي تُنهب أمام أعينهم وتُباع في الأسواق العالمية لتتحول إلى ناطحات سحاب في الرياض ودبي، بينما لا يَنال "حارس اللصوص" إلا دريهماتٍ تُصرف له كُـلّ ثمانية أشهر تحت مسمى "إكرامية الملك".

أي حقارةٍ ووضاعة تكتسي هؤلاء الأقزام وهم يحرسون اللصوص الذين ينهبون حقول نفطهم ومقدرات أجيالهم؟ وكأنها صدقة جارية من "اللص" على "الضحية"!

سيمفونية الذل وزحامٌ على أبواب الصرافة

اليوم، وبكل وقاحة، وبعد ثمانية أشهر من الانتظار، يتزاحمون أمام محال الصرافة بوجوهٍ غاب عنها نور العزة لاستلام مبلغٍ زهيد لا يتجاوز (600 ريال سعوديّ).

هذه الست مئة ريال ليست مُجَـرّد مبلغ، بل هي "ثمن السكوت" و"أجرة الدياثة السياسية".

والمفارقة الصارخة أن هذا الفتات يتبعه سيلٌ من المدح والثناء "لجلالته" و"سمو عهده"، في سابقة من الخزي لم يعرفها تاريخ اليمنيين الأحرار.

دعونا نضع النقاط على الحروف بلغة الأرقام المرة ومفارقات القيمة والكرامة:

في المحافظات المحتلّة (مناطق المرتزِقة): نتيجة الانهيار الاقتصادي المتعمد وفشل سياسات أسيادهم، قد تصل قيمتها إلى حوالي 250، 000 ريال يمني؛ رقمٌ يبدو كَبيرًا في عين المرتزِق، لكنه في الحقيقة انعكاس لانهيار العملة وغلاء فاحش يلتهم هذا المبلغ في أسبوع، ليعود المرتزِق عبدًا جائعًا ينتظر ثمانية أشهر أُخرى، فهي لا تشتري كرامة ولا تسد جوعًا.

في المناطق الحرة (صنعاء الصمود): تساوي الـ 600 ريال سعوديّ حوالي 84، 000 ريال يمني فقط، حَيثُ حافظت العملة على استقرارها وقيمتها رغم الحصار الجائر.

وهنا تكمن العبرة؛ فصنعاء ترفض "مرق اللصوص" وتتمسك بكبش الكرامة كاملًا، مثبتة أن "الريال الواحد" في ظل السيادة، أشرفُ وأبقى من "ملايين" المرتزِقة المغموسة في وحل التبعية.

الختام: الثناء على الجلاّد

إن الفرق بين ضحية "مرق الخير" ومرتزِقة اليوم، أن الأول كان ضحية جهل، أما هؤلاء فهم شركاء في الجريمة و"شهود زور" على ذبح وطنهم.

ما يثير الغيظ ليس فقر هؤلاء، بل "فقر نفوسهم"؛ فالحرّ يموت جوعًا ولا يشكر من سرق رغيفه، أما هؤلاء فقد جعلوا أعداء الأُمَّــة ينهبون كنوز اليمن، ثم يعيدون لهم "قطرة" من ذلك البحر المنهوب ليسبّحوا بحمد جلاّدهم.

إن التاريخ لن يرحم، والأجيال القادمة ستقرأ عن زمنٍ كان فيه لليمن ثرواتٌ تكفي العرب جميعًا، لكن "أرذل القوم" سلموها لعدوهم، وقفوا طوابير طويلة ليقبضوا "ثمن الغدر" عند باب صرّاف.

سحقًا لمرقٍ يُطبخ بدم الكرامة، وتبًا لإكراميةٍ ثمنها بيع الأوطان.