• العنوان:
    من موقع المسؤولية إلى مقام الشهادة: قراءة في سيرة الرئيس الصمّاد
  • المدة:
    00:00:00
  • الوصف:
    لم يكن الشهيدُ الرئيسُ صالحُ الصمّاد ـ رضوان الله عليه ـ رئيسًا تعلّق بالكرسي، بل كان الكرسيُّ هو الذي احتمى باسمه، ولم تكن السلطةُ عنده غايةً تُنال، بل أمانة تُصان، ولم يكن يرى في الرئاسة تاجًا من ذهب، بل كفنًا مؤجَّلًا وميثاقًا مع الله.
  • التصنيفات:
    مقالات
  • كلمات مفتاحية:

فقد اختار أعلى الرُّتب، وأشرف المطالب، رتبةَ الشهادة؛ تلك التي لا تُمنَح إلا لمن صدق الله فصدقه الله، كما قال سبحانه: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾.

لقد عاهد الشهيدُ الرئيسُ صالحُ الصمّاد ربَّه عهدًا لا نكوص فيه ولا التفاف: نصرٌ يُعَزُّ به المستضعفون، أَو شهادةٌ يُرضي بها ربَّ العالمين.

ومن عرف الله سقطت من عينه الدنيا، وتكسّرت على أعتابه المناصب؛ فما الدنيا إلا ظلٌّ زائل، وما الكرسي إلا خشبٌ فانٍ، وما البقاء إلا لله وحده:

﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.

قيادةٌ تُوقَّع بالنار لا بالحبر

لم يكن قائدَ غرفٍ مغلقة، بل قائدَ ساحاتٍ مفتوحة، لم يحكم من خلف الجدران، بل من تحت القصف، ولم يتقدّم صفوف الخطاب وحدها، بل تقدّم صفوف النار.

رأيناه في الجبهات، حَيثُ الرصاص لغة، والقذائف بيان، والموت حاضر، والحياة مؤجَّلة.

هناك كان الصمّاد، ثابتَ الجَنان، رابطَ الجَأش، كأنما خُلِق للمواجهة لا للمساومة.

كمران.. حين يمشي التوكّل على قدمين

وحين قصد جزيرة كمران في ذروة العدوان، قالوا له: الخطر داهم، والسماء نار، والبحر مراقَب؛ فأجابهم بلسان الحال قبل المقال: حسبنا الله ونِعم الوكيل.

مضى لا يخاف طائرةً ولا بارجة، ولا صاروخًا ولا أسطولًا، ولا يخشى إلا الله، ممتثلًا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾.

فكان التوكّل عنده فعلًا ميدانيًّا، لا شعارًا ورقيًّا، بل سلوكًا عمليًّا لا خطبةً موسمية.

عبورُ البحر.. واستدعاءُ اليقين

عبر البحر كما عبرته قلوبُ الأنصار يوم قالوا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لو أمرتنا أن نخوض البحر لخضناه معك.

إنه اليقين نفسه الذي لا تُغرقه الأمواج، ولا تُرعبه البوارج، ولا تُكسِره الإمبراطوريات.

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

«أفضل الجهادِ كلمةُ حقٍّ عند سلطانٍ جائر».

فكيف إذَا كانت الكلمة موقفًا، وكان الموقف حياةً تُبذل، ودمًا يُقدَّم؟

بين الموت والحياة.. كان الاختيار

كان الشهيد يعلم أن الأجل بيد الله، وأن الرصاصة لا تُخطئ موعدها، وأن الطائرة لا تُقدِّم ولا تُؤخِّر، وأن الله إذَا أحب عبدًا اختار له هيئة اللقاء.

فاختار الله له الشهادة، ونادته السماء: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إلى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾.

مدرسةُ عليّ.. وسيفُ البصيرة

وفي نهج أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ـ عليه السلام ـ تتجلّى سيرة الصمّاد قولًا وفعلًا؛ إذ يقول الإمام:

«والله لابن أبي طالب آنَسُ بالموت من الطفل بثدي أمّه»، ويقول: «لا تستوحشوا طريقَ الحق لقلة سالِكيه».

فلم يكن الصمّاد طالبَ موت، بل طالبَ حق، ولم يعشق الشهادة هروبًا من الحياة، بل وفاءً لقيمها.

ختامًا: وطنٌ استُشهِد

هكذا رحل صالح الصمّاد، رئيسًا ختم رئاستَه بالشهادة، وشهيدًا اختصر وطنًا كامِلًا في جسده.

لم يمُت، بل ارتقى، ولم يُغَيَّب، بل حَضَر في الوعي، ولم يسقط، بل أسقط وهم الخوف من القلوب.

ترك للأُمَّـة درسًا مكتوبًا بدمه: أن القيادة تضحية، وأن السيادة عقيدة، وأن من صدق الله، صدقه الله: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾.

تغطيات