• العنوان:
    إعلان العجز: قراءة نقدية في خطاب حكومة المنفى حول الرواتب
  • المدة:
    00:00:00
  • الوصف:
    بصفتي كاتبًا يقرّ بشرعية حكومة صنعاء المستمدَّة من الشعب، ولا يعترفُ بما يُسمّى بحكومة المنفى، أتناول الإعلانَ الصادرَ عن الزنداني رئيس الوزراء المعيَّن في ما يسمى "مجلس القيادة الرئاسي" بوصفه نصًّا سياسيًّا كاشفًا، لا عن نوايا إصلاح، بل عن حقيقةِ سلطةٍ بلا سيادة، تعيشُ على المِنَحِ وتسوّق العجزَ كإنجاز.
  • التصنيفات:
    مقالات
  • كلمات مفتاحية:

ذلك الإعلان لا يعبّر عن قرار وطني مستقل، ولا عن إدارة مسؤولة لملف سيادي، بل عن بيان اعتماد مالي خارجي جرى تقديمه للرأي العام على أنه بشرى، فيما هو في جوهره اعتراف بأن من يطلقون على أنفسهم حكومة لا يملكون قرار الصرف، ولا يتحكمون بالموارد، ولا يتحملون تبعات الانقطاع الطويل للرواتب.

الراتب حقٌّ سيادي لا هِبَة سياسية

يُعادُ تقديمُ صرف الرواتب – وهو حَقٌّ قانونيٌّ ثابت لموظفي الدولة مدنيين وعسكريين ومتقاعدين –؛ باعتبَاره ثمرةَ «دعم أخوي» بقيمة 90 مليون دولار.

هذا الخطاب لا يسيءُ فقط لمفهوم الدولة، بل يهدمه؛ إذ يحوّل الحق إلى منّة، والواجب إلى مناسبة شكر، والسيادة إلى بند مساعدات.

السؤال الجوهري الذي يتجاهله الإعلان عمدًا هو: لماذا توقفت الرواتب أصلًا؟ والسؤال الأخطر: أين ذهبت عائدات النفط والغاز؟ فالرواتب لم تكن بحاجة إلى منح، لو أن الموارد السيادية استُخدمت لصالح الشعب، بدل تهريبها وإيداعها خارج البلاد.

استقرار وهمي واقتصاد مُعطَّل

يتحدث الإعلان عن «حماية الاستقرار المالي والنقدي» في الوقت الذي:

تُنهب فيه عائدات النفط من حضرموت وشبوة.

وتُعطَّل فيه عملية التصدير لصالح الخزينة العامة.

ويُترك الموظف اليمني رهينة وعود موسمية وجداول زمنية مطاطية.

أي استقرار يُبنى على تعطيل الموارد؟ وأي نقد يُحمى بينما القرار المالي مرتهن بالكامل للخارج؟ إن ما يُدار هنا ليس اقتصاد دولة، بل أزمة معيشية تُستخدم كورقة ضغط سياسية.

قلب الوقائع وتبييض المسؤولية

الإشادة بما سُمّي «الدور المحوري» للمملكة العربية السعوديّة تمثل قلبًا فاضحًا للوقائع.

فكيف يُقدَّم طرف الحرب والحصار، والمشارك في تعطيل تصدير النفط ومنع الاستفادة من موارده، بوصفه ضامنًا للاستقرار؟ هذا الخطاب ليس سوى محاولة لتبييض المسؤولية السياسية والأخلاقية عمّا جرى ويجري، وتحويل الجهة المتسببة في الأزمة إلى منقذ، والضحية إلى متسوّل ينتظر الإذن بصرف حقه.

حكومة بلا برنامج ولا قرار

الاحتماء بتوجيهات مجلس القيادة الرئاسي لا يضيف للإعلان سوى دليل جديد على أن هذه الحكومة:

بلا برنامج اقتصادي وطني.

بلا رؤية لإدارة الموارد.

وبلا قرار مستقل.

هي حكومة تُدير الأزمة بدل حلّها، وتعمل ضمن منظومة وصاية خارجية، وتختزل مفهوم الدولة في دور إداري لتلقي المنح وتوزيعها.

صنعاء ومعيار السيادة

في المقابل، ورغم الحصار والعدوان، تُدار في صنعاء شؤون الدولة بإمْكَانات داخلية، وتُصرف المرتبات وفق ما يتاح من موارد ذاتية، لا وفق بيانات شكر ولا عبر موافقات خارجية.

هذا الفارق ليس دعائيًّا، بل سياديًا: بين سلطة تحاول الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقلال، وسلطة ربطت لقمة العيش اليمنية بالخارج.

الخلاصة: هذا الإعلان لا يمثّل انفراجة، بل وثيقة إدانة سياسية لحكومة المنفى؛ حكومة لا تصرف الرواتب إلا بإذن، ولا تتحدث إلا بلغة الامتنان، ولا تحكم إلا من خارج الوطن.

لسنا أمام دولة تُدار بقرارها، بل أمام وظيفة تُموَّل.

وبين النموذجَين، تتحدّد الشرعيةُ الحقيقية: شرعية السيادة، لا شرعية البيانات.

تغطيات