• العنوان:
    إحياء الذكرى طاعةٌ تحفظ المسيرة
  • المدة:
    00:00:00
  • الوصف:
    إن إحياء الذكرى السنوية لاستشهاد الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي -رضوان الله عليه-، هو وقفةُ وعيٍ ومسؤولية، يُعاد فيها النظر إلى المسار، وتُدرَس فيها الوقائع، وتُصحَّح الأخطاء، ويُستخلص منها ما يعصم الأُمَّــة من الوقوع في التيه، ويهديها إلى الموقف الصائب الذي لا يخطئ الطريق.
  • التصنيفات:
    مقالات
  • كلمات مفتاحية:

فالأمم الحيّة لا تحيا بالذكريات، وإنما تحيا بما تتعلّمه من الذكريات، وبما تبنيه عليها من مواقف عملية، قال الله تعالى: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ}.

ومن أعظم ما يجب أن يُدرَك في هذه الذكرى، أن المشروع الذي استُشهد الشهيد القائد؛ مِن أجلِه هو مشروع أُمَّـة ممتد، وأن سنّة الله التي اقتضت أن يُغتال الجسد لتبقى الرسالة، هي ذاتها التي اقتضت أن يكون لهذا المشروع وارثٌ وقائدٌ يحمل الأمانة، ويواصل المسيرة، ويحفظ المنهج من التحريف والانحراف.

فالله سبحانه لا يترك عباده سُدى، ولا يقطع عليهم طريق الهداية، بل قال في محكم كتابه: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ}، وجعل للحق حملة، وللمسيرة قادة، وللأمانة أمناء.

ومن هنا تتجلّى المسؤولية الكبرى في الحفاظ على وارث الشهيد القائد، والقائم على مواصلة مسيرته، السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي –يحفظه الله–؛ باعتبَاره عنوانًا للمشروع، وحارسًا للمنهج، وامتدادا واعيًا للرؤية القرآنية التي ضحّى الشهيد القائد بنفسه؛ مِن أجلِها.

وإذا كانت التجارب الماضية قد علّمتنا شيئًا، فإن أعظم دروسها أن التفريط في القيادة الواعية، أَو التمرّد عليها، أَو التشكيك فيها، كان دائمًا مدخلًا للهزيمة، وبوابةً للتيه، وسقوطًا في فخ الأعداء.

فما من أُمَّـة عصت قادتها الربانيين إلا دفعت ثمن ذلك ضياعًا وانقساما واستباحة، وما من قومٍ خالفوا أوامر أنبيائهم وأوصيائهم إلا ندموا حين لا ينفع الندم، قال الله تعالى: {فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أخذةً رَّابِيَةً}.

واليوم، ونحن ننظر إلى الواقع بعينٍ مفتوحة، لا بعين الهوى، نجد أن السيد القائد لا يكتفي بالقول، بل يسبق قوله فعله، ولا يرفع شعارًا إلا ويجسّده سلوكًا وموقفًا، ولا يتحدّث عن الإسلام بوصفه تراثًا، بل يقدّمه واقعًا حيًّا في الميدان، وفي السياسة، وفي الأخلاق، وفي تحمّل المسؤولية.

فهو اليوم يجسّد عظمة الإسلام في صدقه، ومبادئه في عدله، وآدابه في تواضعه، وأخلاقه في حرصه على دماء الناس وكرامتهم، واستقلال قرارهم، ونصرة المستضعفين، امتثالًا لقوله تعالى: {إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإحسان وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى}.

ومن هنا، فإن العصيان بعد هذا كله لا يمكن أن يُقرأ بوصفه اختلافا في وجهات النظر، ولا اجتهادًا بريئًا، بل هو تنكّر واعٍ للحق، وتفريط مقصود بالأمانة، وخروج عن خط الهداية.

لأن الله حين يقيم الحجّـة، ويكشف الطريق، ويبيّن العدوّ، ويُظهر القائد، ثم يُصرّ البعض على المخالفة، فإن ذلك يدخل في باب العصيان الذي حذّر الله منه، قال تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا}.

وتزداد خطورة التفريط اليوم؛ لأَنَّ الحجّـة لم تعد غائبة، والدروس لم تعد نظرية، والآثار لم تعد محتملة، بل أصبحت مشاهدة وملموسة.

لقد رأينا بأعيننا نتائج الطاعة، وكيف صنعت صمودًا، وفرضت معادلات، وحفظت الكرامة، كما رأينا في المقابل نتائج العصيان والتفريط في مراحل سابقة، كيف جرّت الويلات، وفتحت الأبواب للأعداء، وأدخلت الأُمَّــة في دوّامات من الخسارة.

ولهذا فإن الذنب اليوم أعظم، والمسؤولية أكبر؛ لأَنَّ من يفرّط بعد هذا البيان إنما يفرّط عن علم، لا عن جهل، وعن بصيرة، لا عن غفلة.

إن إحياء ذكرى الشهيد القائد هو في جوهره تجديد للعهد، لا استحضارا للحزن، وهو تأكيد على أن دم الشهداء لا يُصان بالشعارات، بل بالمواقف والطاعة، والالتزام الصادق، والسير خلف القيادة التي أثبتت بالأفعال قبل الأقوال أنها أهلٌ لحمل هذه الأمانة.

فبهذا وحده تُحفظ التضحيات، وتُصان المسيرة، وتتحقّق الغاية التي خُلق الإنسان؛ مِن أجلِها، وهي العبودية لله، والقيام بالقسط، ومواجهة الطغيان، قال تعالى: {لَقَدْ أرسلنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ}.

وهكذا، فإن من أراد أن يحييَ الذكرى بحق، فليحيِها وعيًا، وموقفًا، والتزامًا، وليدركْ أن الطريق قد وُضِّح، وأن القيادة قد تبيّنت، وأن التفريطَ بعد اليوم خيانة للأمانة، وتنكُّرٌ للدم، وخروجٌ عن سُنَنِ الله التي لا تحابي أحدًا،{وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}.

تغطيات