• العنوان:
    إفلاس أم الرشراش: كيف أصاب الحصار البحري اليمني شريان التجارة الصهيوني؟
  • المدة:
    00:00:00
  • الوصف:
    المسيرة نت| محمد ناصر حتروش : تعد بوابة أم الرشراش التاريخية، أو ما يُعرف اليوم بميناء إيلات في فلسطين المحتلة على البحر الأحمر، من المرافق الاقتصادية الحيوية لاقتصاد العدو الإسرائيلي، إذ كانت تعد منفذاً استراتيجياً للتجارة مع آسيا وأفريقيا دون المرور بقناة السويس، بيد أن هذا الموقع الاستراتيجي شهد تحوّلاً جذرياً في الأداء الاقتصادي خلال الأعوام القليلة الماضية، حيث أدت سلسلة من العمليات العسكرية البحرية التي شنتها القوات المسلحة اليمنية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب إلى شلّ حركة الشحن التجاري في الميناء، وتراجع الإيرادات، وإغلاقه النهائي.

و بحسب بيانات عبرية كان ميناء "إيلات" يستقبل في عام 2023م نحو 134 سفينة سنوياً ويستحوذ على حركة استيراد تقارب 150,000 سيارة، ما شكّل الجزء الأكبر من واردات السيارات في فلسطين المحتلة، لكن بحلول عام 2024م انخفض عدد السفن التي ترسو في الميناء إلى 16 فقط، لينخفض عددها في منتصف 2025م إلى ست سفن فقط.

هذا التراجع الشديد في نشاط الميناء قاد إلى انهيار الإيرادات بنسبة تصل إلى نحو 80% تقريباً، من 212 مليون شيكل في 2023م إلى 42 مليون شيكل في 2024م وفق ما تداولته صحف اقتصادية تابعة للكيان.

وتمثل الإحصاءات الرسمية للكيان المؤقت دليلاً عملياً على أثر العمليات اليمنية في قلب منظومة التجارة الصهيونية، إذ أعلنت سلطة الطوارئ التابعة للعدو الإسرائيلي وبناء على بيانات رسمية أن إغلاق ميناء "إيلات" التجاري كنتيجة مباشرة لتدهور الأوضاع المالية وفقدان الإيرادات بسبب تراجع حركة السفن وعدم قدرة الشركات على الإبحار عبر الممرات البحرية التقليدية نحو الميناء.

في يوليو 2025م توقفت العمليات التجارية بالكامل وجرى تجميد الحسابات المصرفية للميناء بسبب ديون تبلغ نحو 10 ملايين شيكل متراكمة على الأقل، مما أدّى إلى قرار رسمي بإغلاق الميناء في مؤشرات خطيرة تثبت نجاعة العمليات اليمنية المساندة لغزة وأثرها البالغ على كيان العدو الإسرائيلي.

وتأتي هذه التطورات في سياق تصاعد التوترات الأمنية التي شهدها البحر الأحمر، حينما أعلنت القوات اليمنية إعادة فرض الحصار البحري على السفن المتجهة إلى الموانئ الصهيونية دعماً لغزة ومقاومة ممارسات العدو الإسرائيلي في القطاع، وهو ما دفع العديد من شركات الملاحة العالمية إلى تغيير مساراتها حول رأس الرجاء الصالح في أفريقيا لتجنّب المخاطر، رغم ارتفاع التكاليف وتأخير التوصيل، ليتحول ميناء أم الرشراش إلى رمز لعجز المنظومة الاقتصادية والأمنية الصهيونية في إعادة تشغيله اثناء عدوانها الغاشم على غزة.


انهيار الإيرادات وتراكم الديون: الأرقام تتحدث

و طبقاً للصحافة الاقتصادية العبرية، تراجع إجمالي الإيرادات السنوية لميناء إيلات من 212 مليون شيكل عام 2023 إلى 42 مليون شيكل فقط في 2024م، ما يمثل انكماشاً بنحو 80٪ تقريباً في الدخل مقارنة بالعام السابق، وهو ما يوضح حجم الخسائر المادية التي واجهها الميناء بسبب الحصار البحري والتهديدات الأمنية المتكررة على السفن التجارية.

ووفق مصادر ملاحية في الكيان الصهيوني فقد تراكمت الديون والالتزامات المالية للميناء مع هذا الانهيار في الإيرادات، بما في ذلك ديون ضرائبية محلية تتجاوز 10 ملايين شيكل، ما دفع بلدية إيلات إلى تجميد الحسابات المصرفية للميناء بسبب عدم القدرة على سداد الالتزامات، الأمر الذي دفع إدارة الميناء الإعلان الرسمي عن توقف العمل اعتباراً من 20 يوليو 2025م.

وعلى الرغم من محاولات الكيان المتكررة لتقديم منح طارئة بقيمة 15 مليون شيكل غير أنها لم تفلح في إحياء النشاط التجاري للميناء، مما يعكس أن الخسائر أكبر من قدرة دعم مؤقت على التعويض أو الاستمرار بنفس وتيرة ما قبل الأزمة.

في المقابل تؤكد إحصاءات ملاحية ومراكز مراقبة النزاع البحري، أن القوات المسلحة اليمنية نفذت منذ نوفمبر 2023 وحتى منتصف 2025 أكثر من 110 هجوماً مستقلاً على السفن التجارية العابرة في البحر الأحمر وباب المندب، مستهدفة بشكل خاص السفن التي تربط نشاطها بالموانئ الصهيونية أو تلك التي تُعد جزءاً من سلاسل التوريد إلى العدو الإسرائيلي.

هذه الهجمات شملت إطلاق صواريخ مجنّحة، طائرات مسيّرة هجومية، زوارق هجومية عن بعد، وتدخلات بحرية مباشرة ضد سفن متجهة نحو الميناء، ما ولد حالة من الخوف واضطراب الحركة التجارية في الممرات البحرية لدى الكيان الصهيوني.

 ووفق هذه التقديرات فإن النسبة الأكبر من العمليات طالت سفناً ذات ارتباط مباشر أو غير مباشر بالأساطيل الإسرائيلية، أو سفناً ترفع أعلام دول غربية حليفة، وعلى رأسها الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، وذلك في إطار العمليات البحرية اليمنية المتواصلة لدعم غزة وفرض قيود على حركة المستوردات المتجهة إلى كيان الاحتلال.


إضافة إلى ذلك، ظهر تقرير مستقل يشير إلى أن العمليات اليمنية على خطوط الملاحة البحرية تجاوزت الإطلاق  للصواريخ أو الطائرات المسيّرة، إلى عمليات غرق وتهديد مباشر لسفن الشحن؛ إذ شُنت هجمات مركزة أدت إلى إغراق لسفينتي شحن بحريتين في يوليو 2025م في البحر الأحمر، وكانت تلك السفن في طريقها نحو الموانئ المتجهة إلى فلسطين المحتلة مما يسجل تصعيداً نوعياً في أساليب العمليات البحرية.

وتجدر الإشارة إلى أن هذه الإحصاءات، على الرغم من اختلاف مصادرها وتفاوتها في الأعداد الدقيقة، غير أن جميعها يثبت أن وتيرة العمليات العسكرية اليمنية المساندة لغزة استمرت بشكل متنامي خلال عامي 2024 و2025، الأمر الذي أدى إلى تراجع كبير في إرادة شركات الشحن العالمية للمرور عبر المضيق والممرات المؤدية إلى ميناء إيلات، ودفع العديد من تلك الشركات إلى تحويل مسارات التجارة البحرية العالمية بكاملها حول القارة الإفريقية، ما يزيد من الكلفة الزمنية والاقتصادية لتلك الرحلات.


الضغط البحري اليمني وتداعياته الاستراتيجية على الاقتصاد والتجارة

وتعكس هذه البيانات اليمنية أن العمليات البحرية تدار باستراتيجية منتظمة استخدمتها القوات المسلحة اليمنية لدعم القضية الفلسطينية في غزة ولإضعاف قدرة الاقتصاد الصهيوني على الاعتماد على خطوط الملاحة البحرية التقليدية، لتسهم العمليات اليمنية في الضغط الاقتصادي المباشر على ميناء أم الرشراش وإجباره على التصدّع المالي والتوقف عن العمل كمنفذ تجاري حيوي.

و بحسب التقارير، دفعت هذه المخاطر الاجتماعية والمالية بعض شركات الشحن إلى السير حول رأس الرجاء الصالح، مما أضاف نحو 2–4 أسابيع إلى زمن التوصيل وزيادة تكاليف التشغيل بمئات الآلاف من الدولارات لكل سفينة.

مع هذا التراجع الحاد في النشاط، بدأت إدارة الميناء في إرسال الموظفين إلى عطلات غير مدفوعة الأجر وتقليص القوى العاملة، كما أدى توقف الاستيراد والتصدير عبر الميناء إلى تسريح عمال الخدمات اللوجستية المرتبطة به، هذه التداعيات الاقتصادية والاجتماعية يشير إليها الإعلام العبري كدليل على عجز المنظومة الاقتصادية الإسرائيلية في الحفاظ على وظائف العاملين والأنشطة المرتبطة بالميناء في ظل استمرار الضغط الأمني البحري.

في المجمل يمكن توصيف تراجع وإفلاس ميناء أم الرشراش كمؤشر عملي على فاعلية المواجهة البحرية التي فرضتها القوات اليمنية دعماً للقضية الفلسطينية، والتي أصابت شرياناً تجارياً رئيسياً في اقتصاد العدو الإسرائيلي.

وبحسب المعطيات، فإن ما تقر به المصادر العبرية، من انهيار الإيرادات وتراجع حركة السفن، يعطي دلالة على نجاح الضغط البحري في تعطيل بوابة استراتيجية كانت تمثل منفذاً أساسياً على البحر الأحمر.

تغطيات